تـخــاريف منـمـقـة
 محمد سيدي  
  من أكون  
     
   
 
الأنبياء لا يرتدون "الجينز" !

  

في العام الماضي بثت قناة المنار اللبنانية طوال شهر رمضان مسلسلاً إيرانياً مدبلجاً إلى العربية عن حياة النبي يوسف عليه السلام، أثار المسلسل يومها ردود أفعالٍ متباينة بين من اعتبر الأمر سابقة خطيرة في تاريخ الإعلام العربي؛ تجرأ أصحابها على حرمة وقدسية الرسل والأنبياء بتجسيدهم على الشاشة، وبين آخرين رأوه ترجمة لعمل عالمي - وإن كان أنتج في بلد إسلامي - لا يتقيد أصحابه بمحظوراتنا وغير ملزمين بمنهيات الرقابة لدينا التي تتدخل حتى في نوعية الإضاءة، ويطال مقصها شكل الديكور، ونظارات الممثل التي يضعها في مشاهد المسلسل.

هذا العام أعادت القناة الكرّة، وعرضت منذ بداية رمضان مسلسلاً آخر لكن هذه المرة عن السيد المسيح عليه السلام، إلا أن المعارضة الشديدة من طرف المراجع الدينية المسيحية في لبنان أرغمت القناة على وقف عرضه بداع مخالفته لنصوص دينية مقدسة كنسياً.

سابقة المنار شجعت تلفزيونات أخرى في بلدان عربية على خوض المغامرة، حيث تعيد قنوات عربية حالياً مسلسلي يوسف عليه السلام ومريم بنت عمران، حتى القنوات الفضائية المحسوبة أصلاً في معسكر المحافظة قدمت هذا العام أعمالاً عربية – إنتاجاً وتمثيلاً - يظهر فيها الخليفة الراشد أبو بكر الصديق وبعض كبار الصحابة.

لن نخوض في مساجلات فقهية عن حكم تشخيص الأنبياء ومدى مشروعية عرض أعمال فنية يظهر فيها العشرة المبشرون بالجنة أو الخلفاء الراشدون، لكن من المؤكد أنه من غير اللائق أن نشاهد غداً الممثلة التي تقوم بدور مريم العذراء بين ذراعي عشيقها على الشاشة، ولن أجد جواباً للتساؤل الذي قد يتبادر لذهن أخي الصغير حين يرى الممثل الذي قام بدور يوسف عليه السلام يرتدي بنطلوناً من الجينز ويمتطي دراجة نارية من نوع هارلي دافيدسون في فيلم حركة وإثارة !.

سيقال إن هذه الأعمال الدرامية التاريخية تخلد شخصيات لا يختلف اثنان على مكانتها، وأسهمت هذه المسلسلات أكثر من الكتب والمجلدات في إيصال سيرهم للعامة بطريقة سهلة وميسرة، ولكن مهما كانت المبررات التي سيسوقها المدافعون عن حرية الفن، ودعاة التفكير “المستنير”، ورغم كل ما سبق ذكره يبقى الأمر مستلزماً وقفة تأمل حازمة، وإعادة حساب للقيمة الفكرية والفنية المرجوة من وراء عرض هذه الأعمال على النشء؛ ممن لا يفرقون بين الحقيقة والتمثيل.

أذكر هنا أنه من شدة تعلقنا ونحن صغار بأبطال فيلم الرسالة؛ كنا نطلق على الممثل المصري القدير عبد الله غيث اسم حمزة كلما شاهدناه في أدوار أخرى، بل أتذكر أني حزنت كثيراً عندما شاهدت الفنان الراحل أحمد مرعي يقوم بدور مبتذل يقارع كؤوس الخمر في نادِ ليلي مع المومسات - تمثيلاً - وهو الذي أبدع أيما إبداع في دور الصحابي الجليل زيد بن حارثة بذات الفيلم.

بلا شك يعتبر فيلم الرسالة للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد أحد أهم الأعمال السينمائية التي صورت حقبة فجر الإسلام بطريقة احترافية؛ جعلت منه عملاً خالداً في ذاكرة السينما العربية بل والعالمية، ورغم الانتقادات الكثيرة التي طالت العمل، والعراقيل التي واجهت الفريق المنتج له بسبب ما وصفه معارضوه آنذاك بتشخيصه غير المقبول شرعاً لناقة النبي صلى الله عليه وسلم القصواء !!، إلا أن الرسالة مازال يعاد بين الفترة والأخرى في المناسبات الدينية السنوية، ولم تستطع القنوات الفضائية وشركات الإنتاج العربية التي تكاثرت كالفطر في السنوات الأخيرة أن تقدم للمشاهد العربي عملاً تلفزيونياً أو سينمائياً واحداً يضاهي فيلم الرسالة.

وما يثير الاستغراب أن الحكومات ووزارات الإعلام التي منعت الفيلم في منتصف السبعينات - حين أوقف تصويره في المغرب ومنعت السعودية عرضه - والمؤسسات الدينية التي هاجمت منتجيه ووصفتهم بالزندقة والكفر، هي نفس الجهات التي تمول اليوم أعمالاً لا يتقمص فيها الممثلون أدوار الصحابة أو يشيرون بنوع من التمويه لظل أو صوت أحد الخلفاء الراشدين، بل ينتجون أعمالاً تلفزيونية أبطالها أنبياء !!، فهل كانت هذه الجهات على خطأ حين عارضت الفيلم حينها؟، أم أن الحُرمة تسقط بالتقادم؟

 
أضيفت بتاريخ   2010/8/19 12:51 AM    
 
  تعليقات القراء (0)

أضف تعليقاً على هذه المادة

الاسم   *
 
البريد الألكتروني   *
 
الموقع الشخصي  
 
التعليق  
 
   
 
    ( * ) هذه العلامة تدل على ان بيانات الحقول مطلوبة

الوايت بيري
  أقف بإعجاب لقدرتنا على السير عكس الاتجاه، فبينما يهرول العالم المتقدم ويتسابق في تطوير  »»
أضيفت بتاريخ   2010/8/3 12:26 PM    تعليقات (2)

مايونيزية أوباما
انتفض زعيم العالم حاكم القوة العظمى عندما تمادت إسرائيل في غيها وتعاملت بوحشية مع  »»
أضيفت بتاريخ   2010/6/19 12:47 PM    تعليقات

610xroad91.jpg العرب.. في قمة الطرب
من الأكيد أن لا جديد ستأتي به قمة سرت العربية اليوم، فما اعتدنا عليه  »»
أضيفت بتاريخ   2010/3/27 12:48 PM    تعليقات (1)

ابن حماس.. العاق
مصعب حسن يوسف، نجل قيادي حركة حماس في الضفة الغربية حسن يوسف المعتقل في السجون  »»
أضيفت بتاريخ   2010/2/28 5:17 PM    تعليقات

 
فيلم أم حلم !؟
  لا أذكر بالتحديد آخر فيلم عربي شاهدته كاملاً، فعلاقتي بالأفلام والتلفزيون صرمت عراها منذ  »»
أضيفت بتاريخ   2010/2/5 2:28 PM    تعليقات (1)

snc00087.jpg معركة تحت القُبة
  من الصعب أن تضيف معلماً جديداً للائحة الأماكن التي يجب أن تزورها في مدينة  »»
أضيفت بتاريخ   2009/12/7 2:44 PM    تعليقات

sheep.jpg الخِراف توحدنا
عدِّد فيما لا يقل عن عشرة أسطر مظاهر الاختلاف بين المسلمين، مستعيناً بنماذج يومية  »»
أضيفت بتاريخ   2009/11/28 7:21 PM    تعليقات (1)

shaneb1.JPG الرجولة.. شوارب!؟
  اقرأ معي هذا الخبر.. " اضطر رجل سعودي في الخمسين من عمره إلى حلق  »»
أضيفت بتاريخ   2009/10/25 8:59 PM    تعليقات (6)


   أرشيف المواد
   أعضاء اتحاد المدونين

إجراءات
 
 
ارتباطات

 
 
عدد الزوار